المقريزي

54

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )

وخشي أن لا تستمرّ مساعدة الأقدار له فخرج من القاهرة إلى بلاد الشّام واستوطنها حتى زالت دولة الأشرف ، فجاء إلى القاهرة وانتمى إلى بعض أهل الدّولة ، وكان إذ ذاك على قضاء المالكية البدر عبد الوهّاب الإخنائي فأجلّ مقدمه وترك له تدريس المدرسة الحجازية بخطّ رحبة باب العيد من القاهرة ، فدرّس بها وتصدّى لإشغال النّاس في الجامع الأزهر فشغر في أثناء ذلك تدريس الحديث بالخانقاه الشّيخونية بخطّ صليبة جامع ابن طولون خارج القاهرة فقرره الأكمل شيخها والمتحدث في نظرها مدرّسا بها ، ثم نقله من تدريس الحديث النّبوي إلى تدريس المالكية بها ، وصار إليه تدريس المدرسة القمحية بمصر ، فعظم شأنه واشتهر ذكره وتعلّق مع ذلك بصحبة الأمير الكبير برقوق واختصّ به . فلما ولي السّلطنة عظم قدره وفخم أمره ، فإنّ السّلطان لما جلس للنّظر في المظالم بالميدان أجلسه معه ليوهم العامة أنّه لا يحكم إلا بحضرة شيخ من شيوخ العلم حتى إن زلّ ( في ) « 1 » قضية أرشده إليها ، وكان الرّكراكي أحد شياطين الإنس وأفراد دهاة الخليقة فلم يعرف عنه قطّ أنّه تكلّم في مجلس السّلطان بكلمة فما فوقها معرفة منه بأغراض الملوك وأنفتهم من التّحكم عليهم وتعليمهم وإفهامهم ما جهلوه ، فتمّ بهذا الفعل التّمكن من السّلطان . وما زال على ذلك حتى قدم الأمير يلبغا النّاصري من البلاد الشّامية وقبض على الظّاهر برقوق وسجنه بالإسكندرية واستبدّ بأمر الدّولة ، وشرع في كتابة الفتاوى بوجوب قتال برقوق وقتله وكتب فيها فقهاء العصر ومن جملتهم الرّكراكي ، فخالف الكلّ ولم يكتب شيئا ، فأمر به منطاش فضرب ضربا شديدا واعتقله مقيدا إلى أن ثار بطا بمماليك الظّاهر وخرجوا من محبسهم في صفر سنة اثنتين وتسعين وسبع مائة تقدّم الظّاهر عقيب ذلك وماقت الفقهاء ووضع منهم وقرّب الرّكراكي وولّاه قضاء القضاة المالكية عوضا عن تاج الدّين بهرام الدّميري في يوم الاثنين ثامن

--> ( 1 ) ما بين الحاصرتين إضافة منا يقتضيه السياق .